إن الوضع الإنساني المروع في اليمن يفوق الخيال. قبل عامين، لم يتنبأ أحد بأن الصراع والحرب سيستمران، وان الملايين سيعانون من سوء التغذية الحاد وسيفقدون المياه الامنة والنظيفة ولايجدون مأوى لهم. تعتبر الازمة في اليمن اليوم أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وتدل تجربتنا من الواقع على الارض أنه مع الوقت وبكل تأكيد، إذاما استمر الوضع على ماهو عليه، فإن المجاعة لن تكون وهما بعد الآن، بل ستكون حقيقة تفصل بين الحياة والموت. ان أي هجوم محتمل على ميناء الحديدة، الذي يستقبل ما يقدر بنحو 70 في المائة من واردات اليمن الغذائية، وفي غياب أي بديل قابل للتطبيق، سيؤثر تأثيرا شديدا على الحالة الإنسانية ويعرض الملايين للخطر.

ان الملايين من الناس الذين أجبروا على الفرار من ديارهم ليصبحوا نازحين في وطنهم يعتبروا من ضحايا هذه الأزمة. وهم الذين يعانون أكثر من غيرهم وستظل معاناتهم إذا طال أمد الحرب. وفي ظل المجاعة وسوء التغذية والخوف وانعدام الأمن وانعدام فرص العمل والدخل وتفشي الأمراض مثل الكوليرا، أصبحت حياتهم اليومية بائسة. ويضيف الجفاف والفيضانات والطقس المتطرف مزيدا من البؤس والمعاناة لحياتهم.

في كل مرة نزور فيها الأسر النازحة نشعُر بالوحدة وتضيعُ منا الكلمات. كيف تمكنوا هم وآخرون كُثر من الوصول إلى هُنا على الرغم من الصعوبات الاستثنائية التي واجهوها على مدى 24 شهرا مضي. كيف استمروا بالتقدم للأمام وهم يعيشون تحت اعاصير الرياح التي تحطم ملاجئهم المصنوعة من العُلب البلاستيكية واوراق الاشجار واغصانها؟ وفي نهاية المطاف تُغرق الأمطار الغزيرة كل شيء، مما يضطرهم إلى التقاط القطع المتناثرة لمنازلهم وإعادة بناء ملاجئ جديدة من الصفر.

فاطمة، * فتاة تبلغ من العمر 12 عاما وتعتني بثلاثة أشقاء أصغر منها. توفي والدهما خلال الصراع ولم تعد أمهما تعيش معهم. هناك العديد من الأسر مثل اسرة فاطمة، حيثُ يرعى الأطفال الأسرة. ان انعدام الأمن الغذائي مرتفع جدا بين هؤلاء، ويعتبر التحدي المتمثل في البقاء والنمو عبئا هائلا على عاتق هؤلاء الصغار. ان تأمين وجبات الطعام كل يوم يعتبر أولوية قصوى حيث لا يكاد يكون هناك أي وظيفة مناسبة متاحة لمن هم في مثل سنهم. الأزمة يمكن أن تجعل الشخص قوي جدا ولكن الصمود في مثل هذه الظروف يكشف عن شجاعة استثنائية. فاطمة، مثل العديد من الآخرين، لديها تلك الشجاعة للبقاء في العراء في خيمة مؤقتة جنبا إلى جنب مع أشقائها. كما أنها تخيط الملابس وتبيعها للعائلات المجاورة مقابل المال لتتمكن من شراء الطعام.

إن الإصدارالأخير للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي وعلى الرغم من عدم إعلان المجاعة فإنه يُظهر بوضوح أن الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم. ان من اكثر القضايا  اقلاقا والتي تهدد حياة النازحين هي تناولهم لكميات اقل من الطعام تصل في بعض الاحيان الى وجبة واحدة في اليوم. أما في حجة والحدیدة، فإن الفتیات والنساء يعتبرن في وضع أکثر خطورة من بين أفراد الأسرة. حيث وانه في بعض الاحيان يجب التضحية بالوجبة الوحيدة للنساء والفتيات بسبب ممارسات ثقافية، حيث يأكل الرجال والفتيان أولا، تاركين بقايا الطعامللنساء والفتيات. وهذا مثال على كيفية زيادة سوء التغذية على مستوى الأسرة.

ان الوضع في المجتمعات المضيفة سيئ أيضا حيث يكسب رب الأسرة أقل بسبب الأزمة، في حين أنه يعيل ما يتراوح بين 15 و 20 شخصا في بعض الاحيان وكلهم يتقاسمون الطعام المتوفر.

وعلى ارض الواقع، لاتزال ألاسواق المحلية تعمل، كما تتوفر المواد الغذائية ألاساسية مثل الدقيق والقمح وزيت الطبخ والخضراوات وألارز. ومع ذلك، فإن انخفاض الدخل اليومي للناس يحد من قدرتهم على الشراء. من ناحية أخرى، وباستثناء الخبز، فان اسعار المواد الغذائية قد ارتفعت خلال العامين الماضيين بنسبة 22 في المئة مما كانت عليه قبل الحرب. كما أثر الحصار بحكم الامر الواقع والمعوقات المفروضة على واردات األاغذية، غير أن التجار الصغار والمحليين في حجة والحديدة تمكنوا من بيع المواد الغذائية ألاساسية دون عوائق. وفي ظل هذه الظروف، تلجأ الأسر النازحة، من أجل توفير وجبات يومية، إلى بيع أصولها الثمينة المتمثلة بالثروة الحيوانية.

إن صمود الشعب اليمني لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. المشقة لا تطاق للأطفال مثل فاطمة والتي فقدت طفولتها بسبب ذلك. نتمنى أن يعود السلام في اليمن حتى ينمو جيل المستقبل املين أن يصبحوا مايريدون لا ماتريده الحرب ولا الصراع.

أرفيند كومار، منسق برنامج المساعدات الإنسانية في منظمة أوكسفام اليمنية

الرابط الثابت: https://oxf.am/2grrHzZ